تعد مرحلة المراهقة من أكثر الفترات حساسية في حياة الإنسان، فهي مرحلة التغيير الكبير، حيث يمر المراهق بمرحلة انتقالية بين الطفولة والبلوغ. وفي هذه الفترة، تتشكل هويته الشخصية وتتحدد العديد من ملامح شخصيته المستقبلية. ومن بين العوامل التي تؤثر بشكل كبير في سلوكيات المراهقين هي البيئة المحيطة بهم، التي تشمل الأسرة، الأصدقاء، المدرسة، وسائل الإعلام، والمجتمع بشكل عام. في هذه المقالة، سنتناول تأثير البيئة المحيطة على سلوكيات المراهقين، كما سنتطرق إلى كيفية علاج بعض السلوكيات غير المرغوب فيها التي قد تظهر خلال هذه المرحلة.

1. تعريف المراهقة

تعد المراهقة فترة زمنية تمتد عادة من سن 12 إلى 18 سنة، وهي فترة تتسم بالعديد من التغيرات الجسدية والنفسية والعاطفية. في هذه المرحلة، يمر المراهق بمرحلة النمو العقلي والجسدي، حيث يبدأ في اكتساب الوعي الذاتي وطرح الأسئلة حول هويته، وقدراته، ومستقبله.

المراهقة هي أيضًا مرحلة من البحث عن الاستقلال، والرغبة في إثبات الذات والتمرد على القيود المفروضة من قبل الأسرة أو المجتمع. كما قد تظهر لدى بعض المراهقين السلوكيات المتمردة أو السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، مثل تدخين السجائر أو استخدام المواد المخدرة، والتي يمكن أن ترتبط بتأثيرات البيئة المحيطة بهم.

2. تأثير البيئة المحيطة على المراهقين

أ) الأسرة ودورها في تشكيل السلوك

تعتبر الأسرة العامل الأساسي في تكوين شخصية المراهق، حيث تساهم في توجيه سلوكياته منذ سنواته الأولى. في مرحلة المراهقة، يصبح المراهق أكثر وعيًا وتفكيرًا مستقلًا، ولكن تبقى الأسرة هي المرجعية الأولى له.

  • الدعم العاطفي: إذا كانت الأسرة توفر الدعم العاطفي والاحترام المتبادل، فإن ذلك يعزز من صحة المراهق النفسية ويعطيه القوة لتجاوز التحديات.
  • التوجيه الأسري: الأسرة التي تُقدم توجيهًا صحيحًا وتضع قوانين صارمة في إطار من الحوار والمناقشة تسهم في تطور سلوكيات مراهقها بطريقة إيجابية.
  • نموذج القدوة: الآباء والمربون الذين يقدمون مثالًا يحتذى به في السلوكيات والقرارات الحياتية يسهمون بشكل كبير في تطوير قيم المراهق.

أما إذا كانت الأسرة غير مستقرة، أو تغيب فيها الرقابة أو يتعرض المراهق إلى الإهمال العاطفي أو الضغوط النفسية، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور السلوكيات المدمرة مثل العدوانية، أو الانعزال الاجتماعي، أو محاولة الهروب من الواقع من خلال السلوكيات السلبية.

ب) الأصدقاء والتأثيرات الاجتماعية

تُعتبر الصداقات عاملًا مؤثرًا في سلوك المراهقين، إذ في هذه المرحلة يسعى المراهق للتقرب من أقرانه لتشكيل هويته الاجتماعية. قد يتأثر المراهقون بأصدقائهم بشكل إيجابي أو سلبي.

  • التأثيرات الإيجابية: الأصدقاء الذين يتمتعون بقيم إيجابية ويسعون للتفوق الأكاديمي أو الرياضي، قد يشجعون بعضهم البعض على التقدم والابتكار. كما أن هذه الصداقات قد تكون دافعًا للمراهق لتحسين سلوكه وتطوير شخصيته.
  • التأثيرات السلبية: على الجانب الآخر، قد يتعرض المراهق لضغوط من أصدقائه لاتباع سلوكيات ضارة مثل التدخين، استخدام المخدرات، أو التمرد على القيم، مما يؤدي إلى السلوكيات المدمرة.

ج) المدرسة والتعليم

تلعب المدرسة دورًا مهمًا في حياة المراهقين، حيث يُمكن أن يكون لها تأثير كبير في تشكيل سلوكياتهم. المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلم الأكاديمي، بل هي بيئة اجتماعية تساهم في تطوير مهارات الاتصال والعلاقات الاجتماعية.

  • البيئة المدرسية: المدرسة التي توفر بيئة آمنة وصحية، وتساعد على تحفيز التفكير النقدي وتعزيز مهارات حل المشكلات، تسهم في تنمية السلوكيات الإيجابية لدى المراهق.
  • التفاعل مع المعلمين: المعلمون الذين يظهرون الاهتمام والدعم للمراهقين قد يكون لهم دور كبير في إعادة توجيه سلوكياتهم وتوجيههم نحو مسارات إيجابية.

في المقابل، إذا كانت المدرسة تعاني من مشاكل مثل العنف المدرسي أو التمييز، قد يشعر المراهقون بالإحباط، مما يدفعهم إلى تبني سلوكيات غير مرغوب فيها.

د) وسائل الإعلام والتكنولوجيا

وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة تعد من أكثر المؤثرات في حياة المراهقين في العصر الحالي. الشبكات الاجتماعية، الإنترنت، والألعاب الإلكترونية أصبحت تشكل جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية.

  • التأثير الإيجابي: توفر وسائل الإعلام مصادر متنوعة للتعلم والتثقيف، ويمكن أن تساعد المراهقين على اكتساب المهارات وتوسيع آفاقهم الفكرية.
  • التأثيرات السلبية: في المقابل، يمكن أن تؤثر وسائل الإعلام على سلوك المراهقين بشكل سلبي إذا تعرضوا لمحتويات غير مناسبة مثل العنف، التحريض على الكراهية، أو التنمر الإلكتروني. قد يؤدي هذا إلى تقليد سلوكيات معينة غير مرغوب فيها.

3. علاج السلوكيات غير المرغوب فيها لدى المراهقين

أ) التواصل الفعّال

أحد أهم الطرق لعلاج السلوكيات السلبية للمراهقين هو التواصل الفعّال معهم. يجب على الأهل والمعلمين أن يسعوا إلى خلق بيئة تواصل مفتوحة حيث يشعر المراهق بالراحة للتعبير عن مشاعره ومشاكله.

  • الاستماع الفعّال: يجب على الأهل أن يكونوا مستمعين جيدين، يحاولون فهم مشاعر أبنائهم دون إصدار أحكام.
  • التوجيه الإيجابي: بدلًا من اللوم والانتقاد المستمر، يجب تقديم توجيه إيجابي وتوفير النصائح البناءة.

ب) التربية المستنيرة

يجب على الوالدين والمعلمين تعليم المراهقين كيفية اتخاذ القرارات الصائبة، وتوفير بيئة تساعد على النمو العاطفي والاجتماعي. التدريب على الذكاء العاطفي من خلال تعليمهم كيفية التعامل مع مشاعرهم بطريقة صحية يمكن أن يقلل من السلوكيات السلبية.

ج) الأنشطة البديلة

إشراك المراهقين في أنشطة بديلة مفيدة مثل الرياضة، الأنشطة التطوعية، أو الفنون يمكن أن يساعدهم في توجيه طاقاتهم إلى مجالات إيجابية، ويعزز من قدرتهم على تحمل المسؤولية واتخاذ قرارات سليمة.

د) الرقابة والتوجيه

في بعض الحالات، قد يحتاج المراهق إلى رقابة وتوجيه مكثف. يجب أن تكون الرقابة مستنيرة، أي أن تكون موجهة نحو تحقيق التوازن بين الحرية و المسؤولية، مع التأكيد على أهمية وضع الحدود التي تحمي المراهق من التورط في سلوكيات ضارة.

4. خاتمة

تعد مرحلة المراهقة من أهم المراحل في حياة الإنسان، حيث تتشكل الشخصية وتتحقق الكثير من التحولات في سلوكيات الفرد. إن البيئة المحيطة بالمراهق تؤثر بشكل كبير على سلوكياته، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. ومع فهم تأثير البيئة على المراهق، يمكن للأهل والمجتمع تقديم الدعم والتوجيه المناسبين لضمان تبني سلوكيات إيجابية. من خلال التواصل الفعّال، التربية المستنيرة، وتوفير الأنشطة البديلة، يمكننا مساعدة المراهقين في مواجهة التحديات والابتعاد عن السلوكيات غير المرغوب فيها.